من الصراع الإقليمي إلى الحرب الدينية.

من الصراع الإقليمي إلى الحرب الدينية.. 

بقلم المحامي محمد طلعت المغربي

أعاد تشكيل الشرق الأوسط على أنقاض دوله؟

لم تكن الحروب في تاريخ الشرق يومًا مجرد صدام بين جيشين، ولا كانت نتائجها تُقاس بما يحرزه المنتصر من أرض، أو بما يتركه المنهزم من سلاح. 

فكثيرًا ما كانت المعركة الظاهرة تخفي وراءها معركة أخرى، لا تدور في الميدان وحده، بل في عقول الناس وضمائرهم، وفيما يبقى من أوطانهم بعد أن تصمت المدافع وتُطوى الرايات.

ولعل أخطر ما يمكن أن تواجهه المنطقة العربية اليوم ليس اتساع رقعة الصراع، ولا تعدد القوى المتدخلة فيه، وإنما أن يفقد الصراع طبيعته السياسية، فيخرج من دائرة المصالح والأمن والنفوذ إلى دائرة العقيدة، حيث لا يعود الخصم خصمًا تجوز مصالحته، بل يصبح عدوًا يُنظر إلى وجوده باعتباره خطرًا على الدين والهوية والوجود.

وهنا يبدأ الخطر الحقيقي؛ لأن الحرب التي تُشعلها المصالح قد تنتهي بتسوية، والحرب التي تحركها الحسابات قد تتوقف حين تتغير موازين القوة، أما الحرب التي تُلبس ثوب المقدس، فإنها قد تستمر حتى بعد أن تنتهي أسبابها، وتورث الأجيال من الأحقاد ما تعجز السياسة عن محوه.

فهل نحن أمام صراع إقليمي تتعدد أطرافه، أم أمام تحول أخطر يُراد له أن يجعل من الشرق الأوسط ساحة لحرب دينية مفتوحة، تُستنزف فيها الدول وتتمزق المجتمعات، بينما يعاد رسم مستقبل المنطقة على أنقاض استقرارها؟  
حين تدخل الفتوى إلى ميدان الحرب

إن ما يثير القلق في المشهد الراهن ليس مجرد تعدد جبهات المواجهة، وإنما احتمال أن تتداخل الحسابات العسكرية مع خطاب ديني تعبوي، فيصبح السلاح وسيلة لإدارة الصراع، وتصبح العقيدة وسيلة لتعبئة الجماهير وتوسيع دائرته.

وقد أُثيرت في هذا السياق أنباء عن فتوى منسوبة إلى مفتي السعودية تدعو إلى الجهاد ضد جماعة الحوثيين. 

ومثل هذه الأنباء، قبل التثبت من صحتها ومضمونها وسياقها، لا يجوز التعامل معها باعتبارها حقيقة مكتملة. 

غير أن السؤال الذي تطرحه يظل جديرًا بالتأمل: 
ماذا يحدث حين تنتقل المواجهة مع جماعة مسلحة من ميدان السياسة والأمن إلى ميدان التعبئة الدينية؟

إن الخلاف مع الحوثيين، أو مع غيرهم من الجماعات المسلحة، لا يستلزم تحويل الخصومة إلى حرب على مذهب أو عقيدة. 

فالجماعة المسلحة ليست هي المجتمع كله، والانتماء الديني لا يجعل الإنسان مسؤولًا عن كل ما ترتكبه القوى التي تتحدث باسمه، كما أن رفض مشروع سياسي أو عسكري لا يقتضي تجريم بيئة اجتماعية بأكملها.

والتاريخ يعلمنا أن الكلمات التي تُطلق في أوقات الحرب قد تعيش أطول من الحرب نفسها. فحين يُستدعى التكفير، وتُستحضر مفردات الخوارج، والجهاد في سياق تعبوي لا يضبطه تمييز واضح بين المقاتل والمدني، وبين المسؤولية الفردية والانتماء الجماعي، يصبح من الصعب حصر المواجهة في حدودها الأولى.

وما يبدأ باعتباره ضرورة عسكرية قد ينتهي باعتباره واجبًا عقائديًا، وما كان قابلًا للتفاوض بالأمس قد يصبح، في نظر المتحمسين، تنازلًا عن الدين اليوم.

وهذه هي المعضلة التي ينبغي أن يدركها كل من يتعامل مع الخطاب الديني بوصفه أداة من أدوات الصراع: 
فالدين حين يُستخدم لتوسيع الحرب قد يمنحها قوة التعبئة، لكنه قد يسلب السياسة القدرة على إنهائها.

المقاتلون العابرون للحدود.. من يحمل السلاح، ومن يحمل الفكرة؟

ويزداد المشهد تعقيدًا مع ما تداولته تقارير إعلامية عن احتمال مشاركة قوات سورية في دعم السعودية ومساندة القوات المناهضة للحوثيين في اليمن، وعن أعداد قيل إنها قد تتراوح بين عشرة آلاف وعشرين ألف عنصر.

لكن هذه الأرقام، وما ارتبط بها من حديث عن نشر قوات سورية، تظل في نطاق التقارير المتداولة ما لم تؤكدها أدلة موثوقة. 

وقد نُقلت أيضًا تصريحات عن مسؤولين سوريين تنفي طلب نشر قوات في هذه الحرب. ومن ثم، فإن التعامل مع هذا الاحتمال يقتضي التمييز بين ما وقع بالفعل، وما يُبحث أو يُتداول، وما قد يُستنتج من ذلك سياسيًا.

غير أن أهمية المسألة لا تتوقف على صحة رقم أو نفيه، بل تمتد إلى طبيعة القوى التي يمكن أن تدخل ميدان المواجهة، وإلى الخبرات التي تحملها، والبيئة الفكرية التي تشكلت فيها.

فإذا شارك مقاتلون سبق لهم الانخراط في فصائل ذات توجهات جهادية، فإن الأمر لن يكون مجرد انتقال أفراد من ساحة قتال إلى أخرى؛ إذ قد تنتقل معهم أنماط من التنظيم والتعبئة، وخبرات في حرب المدن والمناطق الوعرة، وربما شبكات من العلاقات والولاءات لا تنتهي بانتهاء المهمة العسكرية.

وليس من العدل أن تُختزل كل قوة سورية، أو كل مقاتل سابق، في وصف واحد أو حكم جماعي. 

لكن من الحكمة السياسية ألا يُغفل أثر الخلفيات الفكرية والتنظيمية للقوى المشاركة، ولا أن يُفترض أن المقاتل الذي يدخل حربًا لتحقيق هدف عسكري سيخرج منها بالضرورة حين يتحقق ذلك الهدف.

فالحروب لا تستورد الرجال وحدهم؛ إنها قد تستورد معها أفكارهم، وخصوماتهم القديمة، وطرائقهم في النظر إلى العدو والصديق، بل وقد تفتح أمام شبكات العنف أبوابًا لم تكن متاحة لها من قبل.

وإذا كان الهدف المعلن لأي تدخل هو تحقيق الأمن والاستقرار، فإن السؤال الواجب طرحه هو: أي استقرار يمكن أن يتحقق إذا توسعت الحرب على أيدي قوى لا تخضع هويتها الفكرية والتنظيمية لرقابة واضحة، أو إذا أصبحت ساحات الصراع الجديدة مجالًا لإعادة إنتاج تجارب العنف السابقة؟

إن الانتصار العسكري لا يُقاس فقط بقدرة القوة على دخول مدينة أو السيطرة على موقع، وإنما بقدرتها على مغادرة الميدان دون أن تترك وراءها أسباب حرب جديدة.

الشرق الأوسط.. من صراع المصالح إلى صراع الهويات

إن المنطقة العربية لم تكن يومًا بمنأى عن التنافس الدولي، ولا كانت دولها بمعزل عن صراع المصالح بين القوى الكبرى. لكن الفارق كبير بين منطقة تتنافس فيها الدول على النفوذ، ومنطقة تتحول فيها المنافسة إلى صراع ديني ومذهبي مفتوح.

ففي الحالة الأولى، تظل المصالح قابلة للمراجعة، والتحالفات قابلة للتغيير، والتسويات ممكنة حين تتبدل الحسابات. 

أما في الحالة الثانية، فإن الخصومة السياسية تتجاوز حدودها لتستقر في الوعي الاجتماعي، وتصبح جزءًا من تعريف الجماعات لنفسها ولغيرها.

وعندئذ لا يعود الخلاف متعلقًا بسياسة حكومة، أو قرار عسكري، أو حدود نفوذ؛ بل يصبح نزاعًا على الهوية، يتوارثه الأبناء عن الآباء، وتغذيه الذاكرة الجريحة، وتعيد الجماعات المتشددة إنتاجه كلما احتاجت إلى سبب جديد للبقاء.

وهنا ينبغي أن نتذكر أن المجتمعات التي عاشت قرونًا متجاورة، بما بينها من اختلافات مذهبية وثقافية، لا تحتاج إلى كثير من التحريض حتى تنفتح جراحها القديمة. لكنها تحتاج إلى زمن طويل، ومؤسسات عادلة، وقيادات مسؤولة حتى تستعيد الثقة بعد أن تتحول تلك الاختلافات إلى أسباب للقتل والتهجير.

فليس أخطر على الدولة من أن تتراجع فكرة المواطنة أمام فكرة الجماعة المغلقة، وليس أخطر على المجتمع من أن يصبح الانتماء المذهبي معيارًا للحكم على الولاء الوطني.

وعندما يحدث ذلك، لا تكون الدولة قد خسرت معركة عسكرية فحسب، بل تكون قد بدأت تخسر الأساس الذي يجعلها دولة: قدرتها على جمع المختلفين تحت قانون واحد، وحماية حقوقهم دون تمييز، ومنع الخلاف بينهم من التحول إلى حرب وجود 
من المستفيد من إنهاك المنطقة؟

وعند هذه النقطة يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله: من الذي يمكن أن يستفيد من اتساع دائرة الصراع، ومن تحول الخلافات الإقليمية إلى عداوات دينية يصعب احتواؤها؟

إن الولايات المتحدة وإسرائيل، شأنهما شأن سائر القوى الدولية والإقليمية، تتحركان وفق حسابات المصالح والأمن والنفوذ. وقد تحققان مكاسب استراتيجية إذا انشغلت دول المنطقة بصراعات طويلة تستنزف مواردها، وتضعف قدرتها على التنسيق، وتؤخر بناء ترتيبات إقليمية مستقلة.

لكن من الضروري التمييز بين تحليل المصالح والنتائج المحتملة، وبين الجزم بوجود خطة موحدة ومثبتة لإشعال حرب دينية أو تفكيك الدول العربية. فالمكاسب التي قد تنتج عن صراع لا تثبت، وحدها، أن كل أطرافه صُنعت أو وُجهت من الخارج.

إن السياسة الدولية لا تحتاج دائمًا إلى أن تصنع الأزمة من بدايتها حتى تستفيد منها؛ فقد تجد قوة خارجية في نزاع لم تبدأه فرصة لتوسيع نفوذها، أو إضعاف خصمها، أو إعادة ترتيب علاقاتها وفق موازين جديدة.

وهذا تحديدًا ما يجعل الانقسامات الداخلية خطرًا استراتيجيًا: فهي تمنح الخارج فرصًا للتدخل، وتضعف قدرة الدول على اتخاذ قرارات مستقلة، وتجعل مواردها البشرية والاقتصادية وقواتها المسلحة رهينة لصراعات متبادلة لا تنتهي.

وليس المطلوب أن نتجاهل دور القوى الخارجية، أو أن نبرئها من سياسات قد تسهم في تأجيج النزاعات، وإنما أن نقرأ المشهد بعين سياسية واعية، لا تستبدل التحليل بالاتهام، ولا تجعل من كل نتيجة دليلًا قاطعًا على مؤامرة سبقتها.

فالأمم التي تريد حماية نفسها لا يكفيها أن تعرف من قد يستفيد من ضعفها، بل عليها أن تعرف أيضًا كيف يصبح ضعفها ممكنًا، وكيف تتحول خلافاتها إلى أبواب مفتوحة أمام الآخرين.

إن أخطر ما قد تقدمه المنطقة لخصومها ليس أرضًا تحتل، وإنما انقسامًا يجعلها عاجزة عن حماية أرضها، واستنزافًا يجعلها عاجزة عن الدفاع عن مصالحها، وعداءً داخليًا يجعلها ترى في شقيقها خطرًا أكبر مما تراه في التدخل الخارجي.

### اليمن والبحر الأحمر.. حين تتجاوز الحرب حدود الجغرافيا

ولا ينبغي أن يُنظر إلى هذه المخاطر باعتبارها شأنًا يمنيًا أو سعوديًا محدودًا؛ فاليمن يقع عند أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والبحر الأحمر وباب المندب ليسا مجرد ممرين جغرافيين، بل جزء من شبكة المصالح التي تتصل بالتجارة الدولية وأمن الطاقة وحركة الملاحة.

وأي اتساع للصراع في هذه المنطقة يمكن أن ينعكس على أمن الخليج، وعلى مصالح الدول العربية، وعلى حركة التجارة والأسواق، فضلًا عن الآثار المباشرة التي يتحملها السكان في البلدان المتأثرة بالحرب.

لكن الخطر لا يقف عند الموانئ والسفن وخطوط الإمداد. فحين تطول الحرب، تتراجع فرص التنمية، وتتسع دوائر الفقر والنزوح، وتضعف المؤسسات التي يفترض أن تحمي المجتمع وتقدم له الخدمات. وحين تتراجع الدولة، تجد الجماعات المسلحة في الفراغ الذي تتركه مجالًا أوسع للحركة والتجنيد وفرض الأمر الواقع.

ثم إن الحرب التي تبدأ تحت شعار استعادة الأمن قد تخلق، إذا اتسعت بلا أفق سياسي، ظروفًا تجعل الأمن أبعد منالًا مما كان عليه قبل اندلاعها.

وهذه إحدى مفارقات الحروب الطويلة: قد ينجح طرف في إضعاف خصمه عسكريًا، لكنه يكتشف بعد ذلك أنه أضعف البيئة التي كان يريد استقرارها، وفتح أبوابًا لمخاطر لم تكن جزءًا من حساباته الأولى.

أما المدنيون، فهم الحلقة الأضعف في هذه المعادلة؛ لا يقررون متى تبدأ الحرب، ولا يملكون في كثير من الأحيان القدرة على إيقافها، لكنهم يدفعون أثمانها في أرواحهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم.

ومن ثم، فإن حماية الأمن لا تنفصل عن حماية المجتمع، ولا يمكن بناء استقرار مستدام على أنقاض المدن أو على جراح جماعات تشعر بأنها مستهدفة بسبب هويتها.

 #هل يمكن أن تنتهي الحرب وتبقى الحرب؟

إن أخطر ما في الصراعات التي تتغذى على الهويات أنها قد تنتج حروبًا متعاقبة، حتى حين تتغير الأطراف والشعارات.

فقد تتوقف المعارك في اليمن، لكن خطاب الكراهية الذي يتشكل خلالها قد ينتقل إلى ساحة أخرى. وقد تنتهي مواجهة بين دولتين، لكن الجماعات التي بنت نفوذها على التعبئة المذهبية قد تبحث عن خصم جديد يحفظ لها مكانتها. وقد تتراجع قوة عسكرية، لكن شبكات التجنيد والتحريض تظل قادرة على استدعاء جولة أخرى من العنف.

وهكذا تصبح الحرب أكبر من أطرافها المباشرين؛ تتحول إلى مناخ عام، وإلى ذاكرة مثقلة بالمظالم، وإلى تصور للعالم يقسم الناس بين معسكرين لا مجال بينهما للتعايش.

وحين تتجذر هذه الرؤية، تصبح التسوية السياسية أصعب؛ لأن كل تنازل يُفسر باعتباره هزيمة للهوية، وكل دعوة إلى الحوار تُتهم بالضعف، وكل محاولة لإعادة بناء الثقة تصطدم بمن جعلوا من استمرار العداء مصدرًا للنفوذ أو الشرعية.

ومن هنا تأتي ضرورة الفصل بين مواجهة الجماعات المسلحة وبين استهداف المجتمعات، وبين حماية الحدود وبين إطلاق حرب على الهويات، وبين حق الدولة في الدفاع عن أمنها وبين تحويل ذلك الحق إلى مبرر لصراع لا يعرف حدودًا واضحة.

فمن حق السعودية حماية أراضيها ومواطنيها من الهجمات، ومن حق اليمنيين أن يستعيدوا دولتهم وأمنهم واستقرارهم، ومن حق شعوب المنطقة جميعًا أن تعيش بعيدًا عن تهديد السلاح والتحريض الطائفي. لكن هذه الحقوق لا تتعارض مع ضرورة تجنب حرب دينية مفتوحة، بل إن تحقيقها يتطلب ألا تتحول المواجهة العسكرية إلى صراع دائم بين جماعات ومذاهب ومجتمعات.

إن الأمن الذي يقوم على الخوف وحده لا يدوم، والنصر الذي يترك وراءه مجتمعًا ممزقًا لا يكون نهاية للحرب، بل قد يكون بداية لحرب أخرى.
 أنقاض الدول أم استعادة السياسة؟
#إن السؤال الذي يواجه الشرق الأوسط اليوم ليس فقط من سينتصر في هذه المواجهة، ولا أي قوة ستفرض شروطها في الميدان، وإنما أي منطقة ستبقى بعد انتهاء المعارك، وأي دول ستظل قادرة على حماية شعوبها، وأي مجتمعات ستستطيع أن تتجاوز جراحها دون أن تنقلها إلى الأجيال المقبلة.

فقد تنتهي حرب بانتصار عسكري واضح، ثم يتبين أن الجميع خسروا ما هو أبعد من الميدان: الثقة بين الشعوب، والقدرة على التعاون، والموارد التي كان ينبغي أن تُنفق على التنمية، والوقت الذي كان يمكن أن يُستثمر في بناء المستقبل.

ولذلك، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في أن تتغير موازين القوى وحدها، بل في أن تتغير طبيعة الصراع نفسه؛ أن تنتقل المنطقة من خلافات يمكن احتواؤها إلى عداوات دينية يصعب تجاوزها، ومن دول تتنافس على مصالحها إلى مجتمعات تتنازع على حق بعضها في الوجود.

إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى حرب جديدة تثبت فيها الجماعات قدرتها على القتال، ولا إلى خطابات تعيد تقسيم المسلمين والعرب إلى معسكرات متناحرة، وإنما يحتاج إلى سياسة تستعيد مكانتها، ودول تحمي مواطنيها دون تمييز، وتسويات تعالج جذور النزاعات بدل أن تكتفي بتأجيل انفجارها.

فالتاريخ لا يرحم الأمم التي تسمح لجراحها القديمة بأن تتحول إلى قدر دائم، ولا يمنحها فرصة بلا نهاية لتصحيح أخطائها. وقد تكون القوة العسكرية ضرورة في بعض الظروف، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع سلامًا، كما أن السلاح الذي يحمي الدولة لا ينبغي أن يصبح أداة لهدم المجتمع الذي تقوم عليه.

ولعل أكثر ما يستحق الخشية أن نصل يومًا إلى نهاية المعارك، فنكتشف أن الخرائط بقيت كما هي، لكن النفوس تغيرت، وأن الحدود لم تتبدل، لكن الحواجز بين الناس أصبحت أعمق من الحدود، وأن المدافع صمتت، بينما ظلت الكلمات التي أشعلت الكراهية تعمل في العقول بلا توقف.

فإذا كان الشرق الأوسط مهددًا بأن يُعاد تشكيله، فإن السؤال الأهم ليس من يرسم خرائطه الجديدة، بل ما إذا كانت دوله ستظل قادرة على رسم مستقبلها بنفسها، أم أنها ستترك الحروب تمزقها حتى يصبح الآخرون أصحاب القرار في مصيرها.

ذلك هو جوهر المأساة: أن تخوض الشعوب الحروب باسم حماية أوطانها، ثم تستيقظ لتجد أن أوطانها هي التي دفعت الثمن الأكبر؛ وأن تنتهي المعارك على الأرض، بينما تبدأ في النفوس معارك لا يعرف أحد متى تنتهي.
@

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إستغاثات من معلمي و معلمات مدرسة ابو الهول القومية المشتركه‏ بمحافظة الجيزة

إستغاثة إتحاد طلاب مدارس المتفوقين في العلوم والتكنولوجيا (STEM)

للعمد تاريخ أصيل في عائلة الطويل تاريخ من القيادة وخدمة الناس