لابد تطبّق القانون بعدلٍ كامل، كالموت الذي لا يستثني أحدًا.
في الأوطان لا تُقاس قوة الدول بما تملكه من سلطة…
بل بما تملكه من عدل.
ولا تُختبر القوانين في نصوصها، بل في لحظة تطبيقها…
حيث يظهر الفرق بين دولة تُدير، ودولة تُنصف.
لقد قلت من قبل، وأكرر الآن، أن أصل كثير من أزماتنا لا يعود إلى نقص القوانين، بل إلى شيء أخطر… إلى الجهل.
ولا أعني بالجهل هنا عدم القدرة على القراءة والكتابة، بل أعني ذلك النوع من الجهل الذي يتمثل في غياب الفهم، وانعدام الحكمة في التطبيق، والتمسك الجامد بنصوص القانون دون إدراكٍ لروحه ومقاصده.
فنحن في هذا الوطن، لا نرفض القانون، ولا نعترض على القرارات الإدارية في ذاتها، أيًّا كانت طبيعتها، ولكننا نتمسك بمبدأ أصيل لا يقبل الانتقاص:
أن يُطبّق القانون بعدلٍ كامل، كالموت الذي لا يستثني أحدًا.
فإذا كان القانون قد منح الجهة الإدارية سلطة إزالة المخالفات، فإنه في ذات الوقت لم يترك هذه السلطة مطلقة، بل قيدها بضوابط واضحة، وإجراءات واجبة الاتباع،
في مقدمتها:
إخطار صاحب الشأن، ومنحه الفرصة الكاملة للطعن على القرار وفقًا للقانون.
بل إن حالات التنفيذ الجبري الفوري لم تُترك للتقدير المطلق، وإنما حددها القانون على سبيل الحصر، وربطها بوجود خطر داهم لا يحتمل التأخير.
ومن ثم، فإن تنفيذ أي قرار إداري دون إخطار، ودون توافر حالة الضرورة، هو إجراء مشوب بالبطلان، بطلانًا يتعلق بالنظام العام، وقد استقرت على ذلك أحكام القضاء الإداري ومحكمة النقض.
لكن، ورغم كل ذلك، فإن جوهر القضية لا يقف عند حدود النصوص…
بل يمتد إلى كيفية التنفيذ، وأسلوب التعامل، وحكمة القائمين عليه.
فنحن شركاء وطن، تجمعنا روابط أعمق من أي خلاف، وإذا كنا نحرص أمام العالم على إظهار صورة التعايش والمحبة، فإن أول من يجب أن يجسد هذه الصورة هم القائمون على تنفيذ القانون.
إن أماكن العبادة—أيًا كانت—لها حرمتها، ولها قدسيتها، ويجب أن يُراعى ذلك عند اتخاذ أي إجراء، ليس خروجًا على القانون، بل تطبيقًا راقيًا له.
فما كان أسهل أن يتم إخطار المسؤولين رسميًا بالفعل المخالف، ومنحهم الفرصة القانونية الكاملة، قبل اللجوء إلى إجراءات قد تُفهم خطأ، أو تُستغل لإشعال الفتن.
وأعلم يقينًا أن ذات الأسلوب قد يُطبق أحيانًا على الأفراد أيضًا، ولكن الخطأ إذا تكرر لا يصبح صوابًا، بل يصبح خطرًا مضاعفًا.
أما عن المشهد الأوسع، فإن ما نراه من توترات طائفية في الآونة الأخيرة، قد يدفع إلى قراءة
مفادها أن الدولة تسعى إلى ترسيخ مبدأ عدم التمييز والمساواة الكاملة بين جميع المواطنين،
خاصة في ظل وجود بعض التصورات لدى فئات من المجتمع تعتقد—عن خطأ—أن هناك نوعًا من التعاطف أو الانحياز في التعامل مع الأقباط.
ولعل الدولة، من خلال ممارساتها، تحاول أن تؤكد أن القانون يُطبّق على الجميع بذات المعيار، دون تفرقة أو استثناء.
غير أن تحقيق هذا الهدف النبيل لا يكون فقط بتساوي الإجراءات في ظاهرها، بل يتحقق على نحوٍ أعمق حين يقترن التطبيق بحكمةٍ تراعي خصوصية المواقف، وتُرسّخ لدى الجميع شعورًا حقيقيًا بالعدل، لا مجرد الإحساس بالمساواة الشكلية.
ومن هنا، فإنني أختم بنداء مخلص، نابع من الحرص لا من النقد:
إلى القيادات الروحية والوطنية، بضرورة التواجد، والاحتواء، وفتح قنوات الحوار، والعمل على وضع آليات قانونية واضحة ومنضبطة، تضمن:
احترام إجراءات تنفيذ قرارات الإزالة، خاصة فيما يتعلق بدور العبادة.
وضوح القواعد المنظمة للمسائل الحساسة.
تحقيق العدالة في الفرص، على أساس الكفاءة وحدها.
إن الغياب في مثل هذه اللحظات لا يمر دون أثر، بل قد يترك فراغًا تملؤه التأويلات، ويزيد من الاحتقان، وهو ما لا نريده لوطننا.
وفي الختام…
لسنا في معركة بين قانون وإنسان، ولا بين دولة ومواطن، بل نحن أمام اختبار حقيقي لمعنى العدالة.
فإما أن يُطبَّق القانون بروحٍ تُوحِّد القلوب،
وإما أن يُطبَّق بحرفٍ قد يُفرِّقها…
وحينها لا نكون قد خسرنا قضية فقط، بل خسرنا شيئًا أكبر بكثير: ثقة الناس في العدل، ووحدة الوطن التي لا تُقدّر بثمن.
تعليقات
إرسال تعليق