قانون الأحوال الشخصية لم يعد مجرد نصوص تُنظم العلاقات الأسرية
قانون الأحوال الشخصية لم يعد مجرد نصوص تُنظم العلاقات الأسرية
بقلم المستشار ماجد يونان
بل
أصبح مرآة حقيقية لطريقة تفكيرنا كمجتمع، ومدى قدرتنا على بناء دولة حديثة تقوم على العدل لا على التمييز.
إن ما يثير الدهشة حقًا ليس اختلاف الآراء، فهذا أمر طبيعي وصحي،
وإنما استمرار الخلط بين القانون، والدين، والسياسة والمصالح،
وكأننا عاجزون عن وضع إطار قانوني جامع يُحقق الاستقرار ويحفظ كرامة الإنسان دون أن ينحاز لعقيدة على حساب أخرى.
واللافت في المشهد الحالي أن المطالبة بالتعديل لم تعد حكرًا على فئة دون أخرى، بل أصبحت مطلبًا عامًا تتفق عليه مختلف أطياف المجتمع
فالمسلمون يطالبون بتعديل القانون القائم،
والمسيحيون كذلك يسعون إلى إعادة النظر في تنظيم مسائلهم الأسرية.
وهو ما يكشف بوضوح أن الأزمة لم تعد خلافًا دينيًا بقدر ما هي خلل تشريعي يمس الجميع،
ويؤكد
أن الحاجة إلى الإصلاح أصبحت ضرورة مجتمعية شاملة لا تقبل التأجيل.
من هذا المنطلق، يثور التساؤل المشروع:
هل نعجز فعلًا عن صياغة قانون عادل يُنصف جميع المواطنين دون تفرقة؟
أم
أننا نحن من نصنع هذا الانقسام ونُعمّقه، بينما الأصل أن يكون القانون أداة توحيد لا سببًا للفرقة؟
إذا كان هناك اختلاف عقائدي، فهذا أمر واقع لا يمكن إنكاره، لكن إدارة هذا الاختلاف هي جوهر التشريع الحقيقي.
فالقانون لا يجب أن يكون انعكاسًا لصراع المعتقدات، بل ميزانًا يعلو فوقها جميعًا، يضمن الحقوق، وينظم الواجبات، ويصون كيان الأسرة المصرية باعتبارها الركيزة الأولى للمجتمع.
إن الحديث عن قانون موحد للأحوال الشخصية لا يعني إلغاء الخصوصيات الدينية، بل يعني إيجاد صيغة قانونية رشيدة تحقق التوازن بين احترام المعتقدات وضمان المساواة أمام القانون.
صيغة تُنهي حالة التشتت، وتُغلق أبواب التنازع، وتُرسخ لمبدأ المواطنة الحقيقية.
وإذا كانت الدولة تسعى بحق إلى التقدم، فلا سبيل لذلك إلا عبر تشريعات مستقرة، واضحة، عادلة، يشعر المواطن من خلالها أنه مُخاطب بصفته إنسانًا ومواطنًا، لا باعتباره تابعًا لدين أو طائفة.
أما القوانين التي تُكرّس الانقسام، حتى وإن حسنت نواياها، فإنها في حقيقتها تُعيد إنتاج المشكلة ولا تُقدم لها حلًا.
فالقانون الحالي – رغم ما يُثار حوله – قد أتاح بالفعل في بعض الحالات تطبيق الشريعة الخاصة بكل طائفة، مما يطرح تساؤلًا جديًا حول جدوى إعادة إنتاج نفس الفكرة في إطار جديد دون معالجة حقيقية للإشكال.
إننا بحاجة إلى شجاعة تشريعية حقيقية، تُدرك أن العدالة لا تتجزأ، وأن الدولة المدنية لا تُدار عبر تعدد المرجعيات بقدر ما تُدار بوحدة القواعد وضمانات الحقوق.
وأخيرًا…
إذا كنا نعترف بوجود أزمة حقيقية في صياغة قانون عادل جامع، فعلينا أن نكون أكثر صراحة مع أنفسنا:
هل العجز في الفكرة أم في الإرادة؟
عن نفسي، لا أرى أن الأمر مستحيل، بل أراه ممكنًا إذا خلصت النوايا وتحررت العقول من قيود الخلط والتردد.
بل وأذهب إلى أبعد من ذلك
أنني على يقين بأنه يمكن صياغة قانون متوازن، تكون مرجعيته القيم الدينية السامية المشتركة،
دون أن ينحاز أو يُقصي، ويكون في تطبيقه العملي تجسيدًا حقيقيًا لمعنى المواطنة، لا مجرد شعار.
قانون يُعيد للعدل هيبته، وللأسرة استقرارها، وللمواطن شعوره بأنه متساوٍ في الحقوق والواجبات…
قانون لا يُفرق بين الناس، بل يجمعهم تحت مظلة واحدة عنوانها:
العدالة.
فهل نمتلك الشجاعة لنفعلها؟
تعليقات
إرسال تعليق