الشعب ليس قاصراً.. والوطن ليس أكاديمية
الشعب ليس قاصراً.. والوطن ليس أكاديمية
فهيم سيداروس
هل الشعب المصري لا يحتاج أوصياء عليه؟ أم يحتاج إلى وصي؟
سؤال واحد يلخص كل اللغط الدائر منذ أيام، منذ أن قرر فخامة الرئيس أن يضع بنفسه شروطاً خاصة لمن يأتي بعده ليكون رئيساً للجمهورية، وكأن مصر شركة خاصة نكتب في لائحتها شروط المدير القادم، وكأن 107 مليون مصري قُصّر يحتاجون من يختار لهم.
نحن نقدر خوفك على مصر يا فخامة الرئيس، ونقدر أنك تحملت ما لا يتحمله بشر، ولكن اسمح لنا: الشعب هو من يختار. نحن اخترناك، ونحن نختار رجلاً مثلك، ومن اختارك قادر أن يختار غيرك. تمسكنا بك أكثر من مدة، لأننا رأينا فيك مشروع دولة، فهل تريد في النهاية أن تحول هذا المشروع إلى وصاية؟
نرفض أن تضع بنفسك كتالوج الرئيس القادم: أن يكون خريج علوم عسكرية، وأن يدرس 30 شهراً في الأكاديمية، وأن يمر على توجيهات ملك السعودية. هذا ليس دستور مصر. دستور مصر يقول: الشعب هو صاحب السيادة، هو مصدر السلطات، وهو صاحب الحق الأصيل في اختيار من يحكمه دون وصاية من أحد أو جهة كانت.
هل من درسوا علوم عسكرية فقط هم من يعرفون ما هي الدولة؟
هذا سؤال جارح، لكنه مشروع. لدينا كليات علوم سياسية في القاهرة والإسكندرية والأهرامات تخرج منذ 65 سنة دكاترة حصلوا على الدكتوراه في مفهوم الدولة، في الاقتصاد، في العلاقات الدولية، في فلسفة الحكم. لدينا اقتصاديون يديرون بنوكاً عالمية، ومهندسون يبنون محطات نووية، وأطباء يجرون أدق جراحات القلب.
هل كل هؤلاء لا يعرفون ما هي الدولة، والوحيد الذي يعرف هو من لبس البدلة العسكرية؟
قيادة دولة بها أكثر من 100 مليون شخص محتاجة أكثر من مجرد تجهيز عسكري. القائد محتاج تجهيز.. وتجهيز.. وتجهيز. محتاج يتعلم ماذا يعني اقتصاد؟ ماذا تعني سياسة؟ ماذا تعني تنمية؟ ماذا يعني تطور والاهتمام بالتعليم؟ ماذا يعني رمز دولة؟ كيف يحافظ على شكل وقيمة الرمز؟ يتدرب على الثبات الانفعالي.. وكيف يتكلم؟ كيف يسمع؟ كيف يختلف؟
الدولة ليست كتيبة، والدولة ليست طابور تمام. الدولة فكرة، ورؤية، وقدرة على إدارة التنوع والخلاف. وهذا لا يُدرس في 30 شهراً لضابط في سن الخمسين، هذا يصنعه تاريخ طويل من العمل العام.
لماذا تثير اللغط حولك؟
ماذا تعني توجيهات ملك السعودية؟ وماذا يعني أن ضابطاً في الأكاديمية العسكرية يختار من يحكم مصر؟ هذا بعيد تماماً عن الدستور. الدستور لم يقل أن الأكاديمية هي كلية إعداد الرؤساء. الأكاديمية مكان عظيم لتخريج ضباط يحمون الحدود، لا لتخريج رؤساء يحكمون الشعب.
لماذا تجعل الجيش في مواجهة الشعب، مثلما فعلت مع أئمة المساجد والمدرسين الذين اتمرمطوا في الأكاديمية ورفضوا في وظائفهم لأن وزنهم زائد 2 كيلو؟ هل هذا هو دور الجيش المصري العظيم؟ الجيش المصري العظيم دوره أن يحمي الدستور، لا أن يكتب شروط الرئيس في كراسة شروط.
عندما تقول الأكاديمية هي التي تؤهل من يحكم، فأنت عملياً تلغي الأحزاب، وتلغي الجامعات، وتلغي الحياة السياسية كلها. لماذا لا تفتح الحياة السياسية وحرية للأحزاب ولطلبة الجامعات أن يمارسوا حياة سياسية حقيقية وتخرج لنا شباباً يتولون حكم البلد وباختيارنا نحن؟
لماذا لا تجعل فترتك القادمة فترة مصالحة للشعب المصري مما عاناه خلال السنوات الماضية؟ مصالحة اقتصادية مع من طحنهم الغلاء، ومصالحة سياسية مع من يريد أن يتكلم دون خوف.
بلاها قصة لن أترك مصر يحكمها خائن أو مجرم
الشعب المصري شعب واعٍ. هذا الشعب الذي أسقط ملكاً، وأسقط احتلالاً، وأسقط رئيسين في ثلاث سنوات، لا يحتاج من يقول له: سأمنع عنكم الخائن. هو يعرف الخائن جيداً، ويعرف المجرم جيداً، ويعرف الشريف أيضاً.
يوجد لدينا مؤسسات في الدولة ستتولى هذه المسؤولية: قضاء يطعن على المرشح، وبرلمان يحاسبه، وشعب إن أساء حكمه طالب بترحيله سلمياً كما فعل من قبل.
نحن نتمنى أن تستمر مسيرة عظماء التاريخ المصري ولا تتزعزع الثقة في الشرفاء والزعماء المصريين جميعاً. ودائماً موفق القائد الأعلى في كل زمان ومكان، لكن التوفيق الحقيقي للقائد ليس أن يختار لنا من بعدنا، بل أن يترك لنا وطناً نستطيع فيه أن نختار.
الشعب هو صاحب القرار، دون وصاية، دون توجيهات من ملك، ودون كشف هيئة في أكاديمية.
تعليقات
إرسال تعليق