ثورة ٢٣ يوليو إنها ثورة و ثورة مضادة

ثورة ٢٣ يوليو إنها ثورة و ثورة مضادة

فهيم سيداروس 

كتب غالي شكري في مقدمة كتابه الثورة المضادة في مصر

"جمال عبد الناصر قاد مرحلة الثورة حتى يوم إجهاضها في الخامس من يونيو ١٩٦٧م..

وإن أنور السادات الذي رافقة طيلة المرحلة قاد الثورة المضادة كلاهما من رجال ٢٣ يوليو  ١٩٥٢م.

ولكنها مأساة طبقة كاملة..."

فقرة غالي شكري دي تقيلة ومشهورة جداً، وبتختصر 25 سنة من تاريخ مصر في سطرين. 
خليني أفككها لك حتة حتة 

1. من هو غالي شكري؟

مفكر يساري مصري، كتابه "الثورة المضادة في مصر" 1975 كان صدمة وقتها. 

هو كان مع الثورة في الأول، وبعدين إنقلب ناقد حاد لها.

2. شرح الفقرة نفسها

"جمال عبد الناصر قاد مرحلة الثورة حتى يوم إجهاضها في الخامس من يونيو ١٩٦٧م"

هنا شكري بيقسم تاريخ عبد الناصر نصين:

- مرحلة الثورة: من 1952 لحد 1967. 

دي كانت مرحلة "التقدمية" من وجهة نظره: تأميم، إصلاح زراعي، السد العالي، مشروع قومي، خطاب مقاومة للاستعمار. 

- يوم إجهاضها 5 يونيو 1967: نكسة حرب 67.

 شكري شايف إن الهزيمة دي كانت نهاية مشروع الثورة.

 الجيش اتكسر، والمشروع القومي اتكسر معاه. 

فالثورة "اتجهضت" وهي لسه في بطنها، ما كملتش أهدافها.

"وإن أنور السادات الذي رافقة طيلة المرحلة قاد الثورة المضادة"

دي الضربة القاضية في الفقرة. 

- السادات كان رفيق عبد الناصر: 
من الضباط الأحرار، نائب الرئيس، هو اللي قرأ بيان التنحي بعد 67.

- هو قاد الثورة المضادة: 

شكري رأي إن من 1970 إلي 1981 السادات عكس كل شيء. 

فتح الباب للرأسمالية "الانفتاح"، صالح أمريكا، وإسرائيل..

"كامب ديفيد"، 
وقضى على القطاع العام والمشروع الاشتراكي. 

فسماها "ثورة مضادة" على مبادئ 52.

"كلاهما من رجال ٢٣ يوليو ١٩٥٢م. ولكنها مأساة طبقة كاملة..."

- الاتنين من نفس الطبقة: 
ضباط صغار من الطبقة الوسطى، خرجوا من رحم ثورة 52 ضد الملك والإقطاع.

- المأساة: إن نفس الطبقة اللي عملت الثورة، هي اللي أجهضتها وبعدين عكسها. 

  عبد الناصر أجهضها بالإستبداد والبيروقراطية العسكرية وهزيمة 67. 

  والسادات دفنها بالإنفتاح والتحول للرأسمالية التبعية. 

فشكري لم يتكلم عن شخصين. 
بل يتكلم عن فشل طبقة حكمت 30 سنة. 

طبقة جاءت للتغير، ولكن تحولت لنظام جديد أصبح هو نفسه الذي يقاوم التغيير.

الخلاصة في 3 نقاط:

النقطة المعنى عند شكري
عبد الناصر قاد الثورة بس هو اللي أجهضها بمركزيته وهزيمة 67

السادات كمل على الجثة وشال كل اللي باقي منها = ثورة مضادة

المأساة الفشل مش فردي. ده فشل "طبقة 23 يوليو" كلها إنها ما قدرتش تبني دولة مؤسسات
يعني باختصار: "احنا جبنا الناس اللي تكسر السور، فكسرته... وبعدين بنوا سور أسوأ".

لماذا شكري سماها "ثورة مضادة" تحديداً؟ 

#ماذا فعل السادات وأعتبره إنعكاس لثورة 52؟

تمام، نكمل فك شفرة "الثورة المضادة" عند غالي شكري 

شكري استخدم كلمة "مضادة" مش "تراجع" ولا "تعديل" لأن السادات قلب الترابيزة 180 درجة على مبادئ 23 يوليو الأساسية.

ليه السادات = ثورة مضادة؟ 4 ملفات قلبها

1. الملف الاقتصادي: من الاشتراكية للانفتاح

- مبدأ 52: تأميم، قطاع عام، عدالة اجتماعية، "تحديد الملكية الزراعية". 
الدولة هي القاطرة.

- السادات: سياسة الانفتاح الاقتصادي 1974. فتح الباب للقطاع الخاص، رأس المال الأجنبي، المستوردين، "السماسرة الجدد". 

  شكري رأي فيها رجوع لطبقة الباشاوات، والكومبرادور اللي ثورة 52 حاربتها. 

إسمها "ثورة مضادة" لأنها ترجع عما مضي وفات.

2. الملف السياسي: من الحزب الواحد للتعدد الشكلي

- مبدأ 52: الإتحاد الإشتراكي، صوت واحد، دولة مركزية قوية.

- السادات: منابر ثم أحزاب ولكنها أحزاب كرتونية تحت عباءة النظام. 

وكسر اليسار، والناصريين في "ثورة التصحيح" مايو 1971 وسجنهم. 

  فهو قضى على المعارضة الحقيقية التي كانت تحمل مشروع الثورة.

3. الملف الخارجي: من عدم الإنحياز للمعسكر الأمريكي

- مبدأ 52: لا شرقية ولا غربية، دعم حركات التحرر، القومية العربية، الصدام مع إسرائيل وأمريكا.

- السادات: طرد الخبراء السوفييت 1972، 
حرب 73، وبعدين 
معاهدة كامب ديفيد 1979 والسلام مع إسرائيل 
والتحالف مع أمريكا. 

  كانت عند شكري "خيانة" لمشروع القومية العربية التي كانت عمود ثورة 52.

4. الملف الإجتماعي، والثقافي: صعود طبقة جديدة

ظهرت طبقة "أولاد الذوات الجدد" بتوع الانفتاح. 

فلوس بسرعة، إستيراد، توكيلات، فيلل. 

في المقابل تراجع دور الطبقة الوسطى، والعمال، والفلاحين التي قامت عليهم الثورة. 

فشكري رأي إن الثورة سرقت من أهلها ورجعت لنفس الناس التي كانت ضدهم.

ثورة 52 عند شكري
ثورة السادات المضادة
اشتراكية + قطاع عام انفتاح + قطاع خاص

قومية عربية + صدام سلام منفرد + تحالف مع أمريكا
محاربة الإقطاع والرأسمالية صعود رأسمالية الطفيلية
خطاب الكرامة والقوة خطاب "مفيش في إيدنا حاجة"

النقطة المهمة عند شكري:
هو ليس ضد السادات كشخص.

هو رأي إن "طبقة 23 يوليو" عند وصولها للحكم، لا تقدر أن تكمل. 

عبد الناصر وصلها لسقف، ولما خبطت فيه عند 67، 
السادات كسر السقف نهائي ورجع للدور تحت. 

فـ "المأساة" إن الثورة لم تأتي بنظام جديد... 
أتت نخبة جديدة عملت نفس غلط النخبة القديمة.

ولذلك الكتاب عمل دوشة سنة 1975. 

لأنه كان أول واحد يقول بصوت عالي: "احنا مش بنتراجع... احنا بنلف ونرجع لورا".

--------

ثورة 23 يوليو "وما عليها" 

نمسكها بالميزان.. 
لا شيطنة.. 
ولا تقديس، 
مثل "شكري، والعقاد" حاولوا يعملوا.

***********

أولاً: ما لها - 
إنجازات الثورة

لا نقدر أن ننكرها، وهي سبب شعبية عبد الناصر إلي اليوم

1. كسرت إحتكار السلطة والثروة

- إلغاء الملكية: شالت الملك والإقطاع اللي كانوا مسيطرين على 80% من الأرض.

- قانون الإصلاح الزراعي 1952: أخد الأرض من الباشا ووزعها على الفلاح. 
5 فدادين حد أقصى للملكية. ملايين فلاحين أصبحوا ملاك لأول مرة.

- تأميم قناة السويس 1956:
كانت إعلان إستقلال إقتصادي وسياسي. 

والإنتصار السياسي فيها رفع كرامة المصريين للسما.

2. بنت دولة اجتماعية
- مجانية التعليم: من الإبتدائي للجامعة. 
فتحت الباب لولاد الطبقة الوسطى، والفقيرة يدخلوا الجيش، الطب، الهندسة، الخارجية.

- التأمين الصحي + القطاع العام: مصانع، شركات، السد العالي.. الدولة أصبحت مشغل رئيسي.

- قوانين العمال  والفلاحين: 

حد أدنى للأجور، إتحاد إشتراكي، كوتة 50% عمال وفلاحين في البرلمان.

3. مشروع قومي، وإستقلالي
- عدم الإنحياز: مصر أصبحت صوت العالم الثالث.. زعيمة للقومية العربية.

- دعم حركات التحرر: 
الجزائر، اليمن، أفريقيا. مصر كانت "قاهرة المعز" سياسياً.

- السد العالي: مشروع القرن اللي حما مصر من الفيضان والمجاعة وولد كهربا.

********

ثانياً: ما عليها - سلبيات الثورة

وهذه النقطة التي شكري والعقاد وغيرهم مسكوها، وإستندوا عليها، والتي أدت لـ "الثورة المضادة" بعد ذلك:

1. إجهاض الحياة السياسية
- حل الأحزاب 1953: بحجة الفساد الملكي. بس النتيجة: مفيش تداول سلطة ولا معارضة شرعية.

- دولة الحزب الواحد: الاتحاد الاشتراكي. 

فبقى الصوت واحد، واللي يخالف "خاين".

- الأجهزة الأمنية: إعتقالات واسعة للإخوان والشيوعيين والوفديين. اتأسس "حكم الأمن".

2. مركزية القرار والاقتصاد
- عسكرة الدولة: 

كل المناصب المهمة من المحافظ للوزير لمدير المصنع = ضابط. فبقت كفاءة الولاء أهم من كفاءة الشغل.

- بيروقراطية القطاع العام: مصانع بتخسر، محسوبية، غياب محاسبة. "دولة وظائف" مش "دولة إنتاج".

- غياب القانون: الدولة فوق القانون. 

التأميم والمصادرة تمت بقرارات ثورية بدون قضاء.

3. هزيمة 67 = كسر الهيبة
المشروع كله كان واقف على صورة "الزعيم المنتصر". لما الجيش اتهزم في 6 أيام، الصورة اتكسرت. 

وبقت الدولة مكشوفة: لا ديمقراطية، ولا اقتصاد حر، ولا انتصار. فظهر الفراغ اللي السادات ملاه بالانفتاح.

الخلاصة في سطر:

 ميزان شكري + العقاد
لها ما لها وعليها ما عليها

ثورة اجتماعية: للفلاح والعامل والطبقة الوسطى 

ثورة مضادة سياسياً: ضد الحرية، والتعددية

استقلال وكرامة قومية استبداد وبناء دولة أمنية
مشروع تنمية ضخم اقتصاد مركزي غير قابل للاستمرار..

فالمأساة التي قال عليها شكري هي دي:
الثورة نجحت إنها تكسر مصر القديمة، وفشلت إنها تبني مصر جديدة بمؤسسات. 
فطلعت "ثورة ونص". نصها ثورة، ونصها التاني هيئة اللي هتيجي تكسرها بعدين.

عشان كده العقاد لو عاش كان هيقول عليها "ثورة، وثورة مضادة".

#######

‏قال الكاتب المصري عباس محمود العقاد  
"الله وحده يعلم ما إذا كان تمرد إبليس ثورة، أم ثورة مضادة" 

وكان قد أستقبل ثورة يوليو ٥٢ بقوله
"إنها ثورة ضد الثورة (الحمراء) التي كان يتوقعها، ويخشاها في ذلك الوقت" 

وبالتالي فقد كان المفروض أن يقف إلى جانب هذه الثورة..

‏التي حالت دون قيام الثورة الاخرى، ولكنه لم يفعل،

لأن الناصرية حققت فعلا رغم ثياب الإنقلاب العسكري بعضا من مهام الثورة التي كان يخشاها..

ورغم ذلك فلو إنه عاش إلى يومنا (توفي عام ١٩٦٤)
لأجاب على سؤالة الساخر عن تمرد تبليس جوابا تاريخيا على الإنقلاب الناصري وقال إنه كان "ثورة، وثورة مضادة"

÷÷÷÷÷÷÷

هذه الفقرة ذكية جداً وملفوفة على بعضها كالأفعى..

هذه مقارنة بين كلام العقاد وبين تحليل الكاتب نفسه عن ثورة 52.

1. من العقاد، وعلاقته بالثورة؟

عباس محمود العقاد  كان أديب محافظ، وليبرالي. 

هو خاف جداً من "الثورة الحمراء" يعني الثورة الشيوعية/الإشتراكية العنيفة التي تقلب المجتمع كله. 

"إن ثورة ٥٢ هي ضد الثورة (الحمراء)"..

العقاد إستقبل 23 يوليو 52 بهذه الجملة..

أي: الحمدلله إن ضباط الجيش عملوا إنقلاب عسكري من فوق، ليمنعوا ثورة شعبية راديكالية من تحت. 

فكان المفروض أن يكون مع 52 100% لأنها أنقذته مما يخاف منه.

#لماذا لم يكن مع ثورة ٥٢؟

لأن "الناصرية حققت فعلاً رغم ثياب الإنقلاب العسكري بعضاً من مهام الثورة التي كان يخشاها".
 
أي إن عبد الناصر لبس بدلة عسكرية، ولكنة نفذ أجندة إشتراكية: 
إصلاح زراعي، 
تأميم، 
عدالة إجتماعية. 

فالعقاد وجد نفسه في مأزق: الثورة التي منعتة من الثورة الحمراء، 
طلعت هي نفسها بتعمل حاجات حمراء.

2. الكاتب هنا بيلعب على جملة العقاد الساخرة: "الله وحده يعلم ما إذا كان تمرد إبليس ثورة، أم ثورة مضادة"

ويقول: إذا عاش العقاد بعد 67 وشاهد الأحداث، كان يجاوب على سؤاله ده عن 52 ويقول: 

"كانت ثورة، وثورة مضادة في نفس الوقت"

كيف ثورة وثورة مضادة؟
إنها كسرت الملك 
والإقطاع 
والإحتلال أتت بحكم عسكري إستبدادي مكانة..

حققت عدالة إجتماعية، 
وإصلاح زراعي قضت على الأحزاب،
والحياة السياسية، والتعددية
رفعت كرامة المصري، والقومية العربية أسست لدولة بوليسية وأمنية..

يعني هي ثورة بالنسبة للباشوات والملك، والإنجليز. 

وهي ثورة مضادة بالنسبة لليبرالية، والديمقراطية، والحرية السياسية التي كان العقاد يريدها.

الخلاصة:
الكاتب يقول إن 52 ليست أبيض وأسود. 

هي انقسمت نصين: 
1.  الوجة الثوري: 
ضد القديم الفاسد، ومع الناس الغلابة.

2.  الوجة المضاد: 
ضد الديمقراطية، والليبرالية والحرية، ومع الدولة الشمولية العسكرية.

فإذا كان العقاد عايش كان يحتار الثورة التي كان يهلل لتمنع الأسوأ، 
طلعت هي نفسها فيها جزء من الأسوأ.

هذه الفقرة تكمل كلام غالي شكري: 
لا يوجد بريء.. كله داخل في "مأساة طبقة كاملة".

---------

تلخيص

تُعد ثورة 23 يوليو 1952 نقطة فاصلة في التاريخ المصري، لها ما لها وعليها ما عليها. 

فعلى صعيد الإنجازات، .

نجحت الثورة في كسر احتكار السلطة والثروة عبر إلغاء الملكية والإقطاع وتطبيق الإصلاح الزراعي، 

كما حققت استقلالاً سياسياً بتأميم قناة السويس، وبنت دولة اجتماعية بمد مجانية التعليم والتأمين الصحي والتوسع في القطاع العام، إلى جانب تبني مشروع قومي عبر دعم حركات التحرر والسد العالي. 

أما على صعيد السلبيات، 

فقد أجهضت الثورة الحياة السياسية بحل الأحزاب وتأسيس دولة الحزب الواحد والأجهزة الأمنية، 

ورسخت مركزية القرار وعسكرة الدولة وبيروقراطية القطاع العام على حساب القانون والمؤسسات، 

وكانت هزيمة يونيو 1967 بمثابة إجهاض لمشروعها. 

وبذلك يمكن القول، كما ذهب غالي شكري والعباس محمود العقاد، إن ثورة يوليو كانت "ثورة وثورة مضادة" في آن واحد: 

ثورة اجتماعية حررت الفلاح والعامل، 
وثورة مضادة سياسياً قضت على الديمقراطية، وهي المأساة التي جعلت طبقة 23 يوليو تبدأ بالتغيير ثم تنتهي بإعادة إنتاج الاستبداد.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إستغاثات من معلمي و معلمات مدرسة ابو الهول القومية المشتركه‏ بمحافظة الجيزة

إستغاثة إتحاد طلاب مدارس المتفوقين في العلوم والتكنولوجيا (STEM)

الحلقة الأولي من صرخة مهندس