الجناة لم يجهلوا فداحة ما إرتكبوا
الجناة لم يجهلوا فداحة ما إرتكبوا
المستشار محمد طلعت المغربي
حتى صار إنتهاك الروح قرارًا سهلًا، ومقايضة الحياة بثمن تافه فعلًا بلا إرتجاف.
حين يسيطر الطمع، لا يعمي البصر فقط، بل يعيد تشكيل القيم، فيُقزَّم الإنسان، وتُمحى قدسية الآخر، وتتحول البراءة إلى هدف لا إلى حاجز.
في ميزان النفس المختل، لا يعود السؤال:
هل أفعل؟
بل كم سأحصل؟
وهنا تبدأ الكارثة؛ إذ تُختزل الروح في شيء، وتُنزَع الإنسانية عن الضحية لتُمنح للجاني مبررات واهية.
الحاجة لا تكون دافعًا بقدر ما تصبح ذريعة، تُستخدم لتسكين وخز الضمير، لا لمعالجة الفقر أو العوز.
الجناة لم يجهلوا فداحة ما ارتكبوا، لكنهم خدروا إحساسهم بها.
أقنعوا أنفسهم أن الفعل عابر، وأن النتيجة مؤقتة، وأن الثمن—مهما كان—أهون من مواجهة العجز. وهكذا، تحوّل الضعف الداخلي إلى عدوان، وتحولت الفاقة النفسية إلى عنف مادي، استهدف أضعف ما في المجتمع: طفولة بلا دفاع.
الطفولة، في هذا السياق، لم تُقتل بسلاح، بل بقرار نفسي سابق على الفعل؛ قرار بإلغاء التعاطف، وتعليق الرحمة، وتحييد الضمير.
وعندما يحدث ذلك، لا تعود الجريمة استثناءً، بل نتيجة منطقية لانهيار داخلي كامل.
أما الحصيلة، فلم تكن ذهبًا ولا خلاصًا.
كانت فراغًا أعمق، وسقوطًا أسرع، وخسارة مضاعفة: فقدان الحرية..
فقدان المعنى..
إذ إن الجريمة، نفسيًا، لا تمنح صاحبها ما وعدت به؛ بل تجرّده مما تبقى له من إنسانية، وتتركه أسير فعلٍ لا فكاك من تبعاته.
فالذهب زال أثره، وبقي العبء النفسي ثقيلًا، لا يخففه إنكار، ولا يرفعه ندم متأخر. لأن بعض الأفعال—حين تُرتكب—لا تنتهي بإنتهائها،
تعليقات
إرسال تعليق