مداهمات الشرطة للبؤر الإجرامية: بين حفظ الأمن وإحترام سيادة القانون



مداهمات الشرطة للبؤر الإجرامية: بين حفظ الأمن واحترام سيادة القانون

محمد طلعت – المحامي


تُعد مواجهة الجريمة من أهم وظائف الدولة الحديثة، وتُناط بأجهزة الأمن، وفي مقدمتها الشرطة، مسؤولية حماية المجتمع من التهديدات التي تمثلها البؤر الإجرامية. ومن هذا المنطلق، فإن تدخل الشرطة، بل واستخدام القوة أحيانًا، يكون أمرًا مشروعًا وضروريًا، خاصة في الحالات التي يواجه فيها رجال الأمن خطرًا داهمًا يهدد حياتهم أو حياة المدنيين، مما يُبرر استخدام السلاح في إطار الدفاع الشرعي.

إلا أن هذا الدور الأمني، على أهميته، يجب ألا يتجاوز حدود الشرعية القانونية أو ينتهك الضمانات الدستورية لحقوق الإنسان، وعلى رأسها الحق في محاكمة عادلة لكل متهم، بغضّ النظر عن طبيعة الجريمة أو خطورتها.

وفي الواقع العملي، بات من الملاحظ أن بعض مداهمات الشرطة للبؤر الإجرامية تنتهي بما يُعرف اصطلاحًا بـ”التصفية الجسدية”، حيث يُقتل المشتبه بهم أثناء المداهمة، دون أن تُبذل محاولات جادة لإلقاء القبض عليهم أحياء، وتقديمهم للعدالة. وإذا لم يكن هناك خطر فعلي ومباشر يُبرر هذا الاستخدام المُميت للقوة، فإن ما يحدث يُعد من قبيل القتل خارج نطاق القانون (Extrajudicial Killings)، وهو ما يشكل انتهاكًا جسيمًا للدستور الوطني، وللاتفاقيات الدولية التي التزمت بها الدولة.

وتتفاقم خطورة هذه الظاهرة في ظل انعدام الشفافية والمساءلة؛ حيث لا تُجرى عادة تحقيقات مستقلة وشفافة حول ملابسات القتل، كما تُصدر الجهات الرسمية بيانات تصف القتلى بأنهم “خطرون” أو “مطلوبون” دون أن يكون قد صدر ضدهم حكم قضائي، وهو ما يُعد خرقًا صريحًا لمبدأ “المتهم بريء حتى تثبت إدانته”، الذي يُعد حجر الزاوية في منظومة العدالة.

إن العدالة لا تتحقق بالسلاح وحده، بل تُبنى على أساس احترام سيادة القانون، وضمان الحقوق القانونية لكل فرد، مهما كانت طبيعة التهم الموجهة إليه. فدولة القانون ليست التي تقمع الجريمة فحسب، بل التي تلتزم بالقانون حتى في مواجهتها لأخطر المجرمين، وتُخضع الجميع لسلطة القضاء لا لمنطق القوة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إستغاثات من معلمي و معلمات مدرسة ابو الهول القومية المشتركه‏ بمحافظة الجيزة

إستغاثة إتحاد طلاب مدارس المتفوقين في العلوم والتكنولوجيا (STEM)

الحلقة الأولي من صرخة مهندس